,
.

.
دخلَ أبي إلى المنزل
كعادته
عابسَ الوجه ، مقطب الجبين..
ألقى التحية بلا اكتراث
انتظرتهُ أن يصافحني
أو حتى ينظر إليَّ
لكنَّه لم يفعل !
وقفتُ أتأمله مليًا
تخيَّلتهُ بوجهٍ خشبي ..
فضَحكتُ ضحكة خفيفة
ما لبثت .. حتى أفزعني
صوتهُ الأجش :
لماذا الضحك ؟
عُذرًا أبي .. لم أقصد !
عدتُ إلى غرفتي
محاولة النوم
ولكني لم أستطع
فهناكَ مشكلةٌ ما
تؤرق مضجعي ..
قمتُ ذاهبة ً إلى والدي
ففرصة وجوده بالمنزل
في هذا الوقت لن تعوض
أعرفُ أنَّ
أبي لم يستمعُ إليَّ من قبل
ولكني
سأجرب ..
علَّه يستمع
ينصحني .. أو حتى يواسيني
استأذنتُ ودخلتُ عليه في غرفته
كالعادة
جالسٌ أمام التلفاز
يُتابع برنامجهُ المفضل
جلستُ انتظر حتى انتهى ..
ناديتهُ : “أبـــي”
-ماذا تريدين ؟
- أريد أن أحدثك في أمر ما .
- هاتِ ما عندك .
كانت سعادتي لا تٌقدر بثمن
حينما سمح لي بالحديث
ولكنها سرعان ما تلاشت
فما كدت لأكمل حديثي حتى
هاجمني بكلماته :
“أنتِ أخطأتِ .. أنتِ قصَّرتِ .. هيا اذهبي الآن “
عُدتُ إلى غرفتي
ألملم أذيالَ اليأس ..
حتَّى أبي .. لا يستمع إليَّ جيدًا !!
استلقيتُ على سريري الصغير
دفنتُ رأسي في وسادتي الناعمة
لعلَّها ترتشفُ دموعي ولوعاتي
آآه يا أبـــي
أراكَ أمامي
ولكني لا أراك ..!
أبحثُ عنكَ
فأجدكَ ولا أجدك ..!
أرى جسدكَ وعيْنيك
ولــكن ..
أينَ أنت ؟
أينَ نبضكَ فينا ؟
أينَ أنتَ ..
من الاستماع إلي
من لمسةٍ حانيةٍ على رأسي
من بسمةٍ صغيرةٍ في وجهي
من كلمةٍ رقيقة يطيب بها مسمعي
ظللتُ أبكي لحالي
وأتألمُ .. حتى جاءَ الصباح
فإذا بأبي يقفُ أمام سريري
قائلا :
-هيَّا استيقظي .
رفعتُ الغطاءَ
ليَكشف عن وجهي
ويكشفَ معه آثارَ دمعي
رددتُ عليه بصوتي
الذي كشفَ عن آثار نحيبي :
- نعم يا أبي ؟
- خذي .. مصروفك .. لا تطلبي مني شيئا آخر لمدة اسبوع .. مفهوم ؟
فلم يكن مني إلا أن صرختُ
صرخةً مدوية
كاشفة ً الستار عن نوافذِ قلبي
” لا أريدُ مصروفـــًا .. لا أريدُ مالاً “
تعجَّب أبي لثورتي
فلم يراني هكذا من قبل
ردَّ عليَّ بتعجبٍ وهدوء :
” ماذا تريدين إذًا؟”
- أريدُ أبــــــــًا
- ومن أنــــــا ؟
- لا أدري .. أأنتَ ضيْفٌ معنا .. أم أنكَ مُمولٌ يمدنا بالمال والطعام والشراب !!
- كفي عن الكلام أيتها الفتاة .. فلستِ أنتِ من ستعلمني كيف أتعامل ولا كيفَ أكون .
- آه يا أبي .. كم أكرهُ ذلك .. ولكن لابُدَّ ..
تركني غاضبـــًا
وهو يردد
” فتـــاة متمردة “
أما أنـــا
فاستعدتُ عنان رئتي
بينما ظلَّ قلبي يصرخ:
أريدُ أبـــًا
أريدُ أبــًا
أريدُ أبًا